• Search
  • Menu


لُغز حدائق بابل المعلقة

رامي الثقفي    أضيف بتاريخ : 2019-06-23 09:20:01    عدد الزيارات : 1930 زيارة


على غير العادة ، أبدأ موضوعنا اليوم بعدة اسألة ، كيف كانت حدائق بابل المُعلقة وما شكلها ؟ هل كانت موجودة بالفعل ولأي غرض تم بنائها ؟  ومن الذي بناها حقاً ، وكيف تم تحقيق ذلك البناء العجيب ؟ وفقاً للمصادر القديمة ، شيّد ملك بابل "نبوخذ نصر الثاني" حدائق بابل المُعلقة وهي أحد عجائب الدنيا الـ 7 القديمة كما يعلم الجميع ، ولكن لا يزال هُناك الكثير من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها حول هذا المكان القديم و الجميل .

وصف حدائق بابل المُعلقة

في بناء كهذا يجب أن نعلم أولاً أن الخبرة في الهندسة المعمارية وعلم النبات والهيدروليكيات ضرورية لإنشاء مثل هذه الأعجوبة القديمة ، هذا المكان المُذهل الذي يحتوي على قصور مُتدرجة مع الكثير من أنواع الأشجار والزهور والفواكه والحيوانات الفريدة والشلالات الجميلة لا يزال مُحاطًا بالغموض ، ومحاولة
إكتشاف تاريخ المكان القديم يبدو مُعقداً إلى حد كبير ، ومن أكثر الروايات القديمة أهمية التي وصفت حدائق بابل المُعلقة كات رواية المؤرخ اليوناني المعروف يودور الصقلي" 90 - 30 قبل الميلاد ، الذي كتب ما يلي : "ثم كانت هُناك حدائق معلقة ، يرتفع كل تراس مثل القناة ، أنابيب لولبية بأطوال غير مُتكافئة ، كان لهذه الحدائق مظهر المسرح ، وكانت مُحاطة بجدران مبنية بسمك 25 قدماً ، وكانت الأسقف مغطاة بشرفات حجرية ، وفوقها طبقات من القصب تحتوي على كمية كبيرة من القار ، ثم طبقة مزدوجة من الطوب المخبوز في الجبس ، ثم فوقها غطاء من الرصاص بحيث لا تتسرب الرطوبة الناتجة عن التربة المتراكمة فوقها ، كانت الأرض عميقة بما فيه الكفاية لاحتواء جذور العديد من أنواع الأشجار التي فتنت الناظر مع حجمها الكبير وجمالها ، كان هناك أيضاً ممر يحتوي على أنابيب تؤدي إلى أعلى مستوى وآلية لرفع المياه يتم من خلالها سحب كميات كبيرة من المياه من النهر ، مع عدم رؤية أي من هذه العملية من الخارج" ياله من وصف رائع وجميل ! مع أني كنت أتمنى وجود وصف أكثر تفصيلاً من ذلك ، ولكن في الحقيقة أنه لا يوجد سوى خمسة أوصاف يونانية مُختلفة لتلك الحدائق وسآتي على ذكر بعضها بعد قليل ، فهل إستخدم ديودور والمؤرخون اليونانيون الآخرون ما يكفي من المصادر الموثوقة لوصفها ؟ وهل كانوا شاهدين عليها ؟ مجرد تساؤل فقط مع أني أجد أن ما جاء في وصف ديودور الصقلي غاية في الأهمية لأن بعض العلماء يعتقدون أنه عندما كتب ديودور عن حدائق بابل المُعلقة فقد تم تدميرها بعد 500 عام من وصفه ، أي أنه كان شاهداً عليها ! ومع ذلك حتى نكون واقعيين فإننا لا نُسلّم بذلك ولا يُمكن أبداً أن نتأكد من معرفة شكل التصميم الحقيقي في بناء حدائق بابل المُعلقة بشكل دقيق وموثوق حتى الآن .

أوصاف أخرى للحدائق


قد رأينا ما جاء في وصف ديودور الصقلي حول الحدائق ، وبناءاً على روايات أخرى جاءت من العالم والمؤرخ "فيلو البيزنطي" 280 قبل الميلاد - 220 للميلاد  وكذلك "سترابو" المؤرخ اليوناني الشهير والذي كان يسميه العرب "أسطرابون" 63 قبل الميلاد - 23 للميلاد كانت الحدائق رُباعية الزوايا ، ويبلغ طول كل جانب أربعة صفوف ويتكون كل جانب من قبو مقوس ويحتوي السطح العلوي على شرفة أو بلكونة كبيرة يتم الصعود إليها بواسطة درج ، ويوجد في الحدائق المُعلقة نباتات مزروعة فوق مستوى سطح الأرض وجذور الأشجار مُدمجة في التراس العلوي وليس في الأرض وكانت الكتلة بأكملها مدعومة بأعمدة حجرية و تيارات من مياه خارجية من مصادر مرتفعة تتدفق إلى أسفل المنحدر ، هذه المياه تروي الحدائق بأكملها و تشبع جذور النباتات وتبقي المنطقة رطبة ، ومن هنا تصبح الأعشاب والنباتات خضراء دائماً وتنمو أوراق الأشجار بإحكام على الأغصان الناعمة ، وفي الواقع أني لا أجد أن هذه الأوصاف تختلف كثيراً عن وصف المؤرخ ديودور الصقلي ، وهذه الأوصاف الرائعة بمثابة عمل فني "ملكي" فخم للغاية ، ولكن أبرز ما يلفت الإنتباه هو أن العمل في الزراعة وتنظيم الأشجار والنباتات بالذات كان يبدو مُعلقاً فوق رؤوس المتفرجين أو الناس ، ولذلك يبدو لي بأنها كانت تبدو مُعلقة للناس ! حسناً .. هذا ما يتعلق بالوصف ، ولكن قد يسأل أحدكم كم أو كيف كان حجم أو مساحة الحدائق البابلية ؟ والجواب أنه إستناداً إلى "ديودور الصقلي" أيضاً فإن المساحة كانت حوالي 400 قدم في الطول  و 400 قدم في العرض أيضاً ، بما يعني 120 متر × 120 متر ، والعلو كان 80 قدم ، أي "25 متر" تقريباً ، المثير للإهتمام أيضاً أن أحد الروايات قالت أنه قد تم توفير مادة الأسفلت لحماية الجدران ضد الرطوبة وروايات أخرى تشير إلى أن المهندسون البابليون القدماء قد إستخدموا بعض التقنيات المتقدمة في الهندسة المائية ، ولا أتعجب من ذلك حقيقة ، فهم الذين أشتهروا بمعرفة وإتقان الرّي ، و قد تم العثور العديد من الحفريات التي تفيد بأن العراقيون القدماء كانوا قد أتقنوا الهندسة المائية وكان لديهم نظام للرّي غاية في التقدم والإبداع .

وأعتقد أن حجم ومستوى الرّي في بابل القديمة كان أكبر منه في مصر القديمة وهذه حقيقة لا يُمكن تجاهلها ، لأن نظام الرّي في بلاد ما بين النهرين كان نشطاً ومُتقدماً للغاية كما ذكرت أعلاه ، ويُعتقد أن مدينة "إريدو" التي تقع على بعد حوالي 22 كم جنوب الناصرية تعد واحدة من أوائل قرى بلاد ما بين النهرين التي نمت لتصبح واحدة من أكبر المُدن في نظام الرّي والتنمية الزراعية بحيث أن المنطقة قد إزدهرت في وقت لاحق خلال فترة الأسرة البابلية خاصة في عهد الملك حمورابي 1792-1750 قبل الميلاد .

ويجب أن أنوه أنه على الرغم من أن جميع المصادر القديمة المُتعلقة بوجود الحدائق الأسطورية غير متوفرة الآن ، إلا أن هناك أوصاف أخرى لها في بعض الكتب ، ولكني لا أعلم إن كانت موثوقة أم لا ، لكن أغلب الروايات متفقة أنها قد انشأت من قبل ملك بابل "نبوخذ نصر الثاني" كما أشرت في مقدمتي أعلاه ، وهو الذي حكم بابل والكلدان في الفترة من عام 605 إلى 562 قبل الميلاد وقدم الحدائق الأسطورية إلى زوجته كهدية ! يالها من هدية ! وبعض النظر عن ذلك ففي رأيي الخاص أن تلك الحدائق الأسطورية لم تكن "مُعلقة" كما قلت ولكن كانت تقريباً "مُدرجة" أي كانت تظهر مُدرجة الشكل وبشكل تصاعدي ، كما جاء في "كتاب المعرفة - لندن 1982" وأنها كانت تشكل تلالاً صناعية وجدت في تضاريس مُسطحة ، وكانت طبقاتها ممدودة بأقواس كبيرة ، مرفوعة على أقواس أخرى ، واحدة فوق الأخرى على إرتفاع عالي ومدعومة بجدار بسمك سبعة أمتار تحيط بالحدائق بأكملها ، وسأكتفي الآن بما جاء في تلك الروايات من وصف وأسأل سؤال آخر أيضاً ، هل كانت هُناك دوافع أخرى يُمكن أن توجد لإنشاء تلك الحدائق البابلية العجيبة ؟ لا نعلم .

موقع الحدائق

في الواقع أرى أنه من المستحيل معرفة الموقع الدقيق لحدائق بابل المُعلقة ،
وحتى أنني أجد أن الأخبار مُتضاربة في من قام بإنشاءها ، مثلاً في عام 1993 قال الدكتور "ستيفاني دالي" من جامعة أكسفورد في بريطانيا ، أن الحدائق لم تكن موجودة في بابل بل في "نينوى" بالقرب من مدينة الموصل الحديثة في العراق الآن ، وقد تم إنشاؤها في زمن الحاكم الأشوري "سنحاريب" حوالي 700 قبل الميلاد ، و في الواقع أنه تم قبول هذه النظرية على نطاق واسع ولا يزال هناك العديد من الناس مُقتنعين بها ، ويقترح الدكتور "دالي" أنه بعد غزو آشور بابل في عام 689 قبل الميلاد ، قد أصبحت العاصمة الآشورية نينوى هي "بابل الجديدة" بحيث أظهرت بعض الأبحاث أنه بعد غزو سنحاريب لبابل ، قام بإعادة تسمية جميع أبواب نينوى بعدد الأسماء التي كانت مُستخدمة في بوابات مدينة بابل القديمة ، وربما تم تصوير الحدائق بأنها مُعلقة في أحد النقوش في قصر سنحاريب في نينوى والتي تظهر الأشجار على صف أعمدة مسقوفة كما هو موضح في الروايات الكلاسيكية لحدائق بابل .

 

هل كانت حدائق بابل المُعلقة خرافة أم حقيقية ؟

هذا السؤال من الطبيعي جداً أن يتبادر إلى الذهن ، بمعنى هل كانت حدائق بابل المُعلقة موجودة فقط في عقول الشعراء والمؤرخين اليونانيين ؟ أم أنها كانت حقيقة واقعة ، شخصياً لا أعتقد أنها مجرد أسطورة ، وأعتقد أنها حقيقة ولكن بالوصف الذي أتوقعه ، ولكنها للأسف الشديد حالها كحال غيرها من المباني التاريخية القديمة قد تدمرت بشكل أو بآخر ولم تعد موجودة وظنّ الكثير أنها مجرد أسطورة ، فإذا كانت حدائق بابل المُعلقة
"مُدرجة" ووضعت الأشجار على الشرفات العالية مثلاً ، وغطت النباتات الطويلة جُدران المباني فهذا سوف يُعطي إنطباع للإنسان القديم بأن النباتات كانت تبدو "مُعلقة" وخاصة عندما يُنظر إليها من أماكن مُرتفعة ، أخيراً يجب أن أنوه أنه منذ فترة طويلة جداً يحاول عدد من علماء الآثار العثور على آثار للحدائق البابلية ولكن دون جدوى حتى الآن ، ولكن إستناداً إلى جميع الروايات القديمة فإن تلك الحدائق العجيبة كانت موجودة وكانت تنتمي بلا شك إلى حضارة وشعب ذو ثقافة وتكنولوجيا مُتقدمة للغاية ، وأعتقد أن الشعب البابلي القديم كان كذلك .


بحث و إعداد : رامي الثقفي
Copyright©Temple Of Mystery

التعليقات

  • هدى علي

    جمييلل جدا

  • محمد الكاظم

    موضوع قيم ومفيد كالعادة ، واتفق معك استاذ في ان الحدائق كانت مدرجة

  • ماجده

    كنت اتمنى ان اعرف عن هذه الحدائق منذ زمن وها انا قد وجدت هذه المعرفه هنا في هذا الصرح الرائع .. شكرا من القلب.

  • أنور

    مواضيع قيمة ، دائما في القمة

  • رضا حسن

    هذا أفضل بحث قرأته عن حدائق بابل المعلقة ،، تفاصيل جديدة لاول مره اعرفها .. شكرا لك استاذ رامي

  • هبه

    موضوع رااائع وممتع شكرا

  • حيدر

    انه العراق العظيم قديما ولكن للأسف الآن أبكي على حاله

  • سعاد

    موضوع رائع وقيم للمعرفة

أضف تعليقك


من فضلك أدخل الاسم

من فضلك ادخل نص التعليق