كلمة الموقع

۩۞۩ نرحب بكم جميعاً زوار موقع معبد الغموض - Temple Of Mystery نُثمّن لكم إهتمامكم على البحث والمعرفة في الموقع الأول لكل ما يتعلق بالخوارق و الغرائب و الظواهر الغامضة . الباحث : رامي الثقفي ▲

الشامير : تيكنولوجيا قديمة متقدمة ؟

الخضر : بين المعتقد وأسطورة الخلود

ندى العمراني 2016-08-10 13:45:52 12836

الخضر شخصية أرتبط أسمها كثيراً مع النبي موسى ، نبي بني إسرائيل ، حيث علقت تلك القصة المتعلقة بهما دائماً في أذهاننا لغرابتها ولأنها ذُكرت مفصلة في القرآن الكريم وفي بعض الكُتب المقدسة ، وكذلك أمتلئ التراث في العديد من الثقافات العالمية بالعديد من القصص حوله ، و لقد أتفق المؤرخون والمترجمون على أسلوب أوحد في تراجم الأعلام ولا طريق أمامهم غير البدء بحياتهم والختم بوفاتهم ، أما الخضر فهو حالة خاصة ، فالباحثين في حياة الخضر في حيرة من أمرهم فلا يدرون بأي تصنيف يصنفونه ، فهناك تعارض صارخ وتضارب واضح في حياته وأصل خلقه ، والروايات على كثرتها تزيد الأمر غموضاً ، فبين آدم الذي قيل أنه الأب المباشر للخضر إلى القول أنه من الملائكة ، فنجد أن هناك إختلافاً حتى في إسمه وأصله ونسبه ، بل الأكثر إثارة في قصته هو الجدل القائم حول ما إذا كان أو لا يزال حياً أم ميتاً  ، وكل ذلك سوف نتحدث عنه في هذا البحث .


الخضر في رأي أهل العلم والمؤرخين


ذُكر في  كتاب فتح الباري بأن الخضر من الملائكة ، وأيضاً ورد مثل هذا القول في إرشاد الساري ، ولكن ما جاء في كتب التاريخ وثبت عن النبي محمد أن الخضر هو "عبد صالح " و الكثير من المؤرخين إختلفوا حول إسمه ، فقيل أن الخضر هو لقب وأن إسمه هو "بليا بن فالغ بن شالح أبن أرفخشذ بن سام أبن نوح" ويقول السجستاني بأن إسمه "الخضرون بن قابيل إبن آدم " أي أنه حفيد أبو البشر آدم من إبنه قابيل مباشره ، وهناك قول أن الخضر إبن ادم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال ، وقيل أنه " الخضر بن مالك أخو إلياس النبي " وقول آخر بأنه إبن خالة الاسكندر ذو القرنين ، و لقب بالخضر لأنه جلس على فروه بيضاء فصارت خضراء والفروة هي وجه الأرض أو الهشيم من النبات ، حيث قيل أن الخضر لا يطأ أرضاً إلا إخضرت ، وذكر الخطابي أنما سُمي  بالـ الخضر لحُسنه وإشراقه ، و للخضر علامات يُعرف بها ، وهو كون الأرض تخضر تحت أقدامه وأن طول قدمه ذراع ونحوه و يظهر بعض من "خوارق العادات" مما يشهد بصدقه
، و يعتقد المؤرخون أن هناك إثنان من الخضر ، أحدهما كان في عهد إبراهيم النبي ، والآخر كان قريباً من عهد عيسى ، وقيل أنه المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم وكان متأخراً عن الأول بدهر طويل حيث كان هذا قبل المسيح بنحو ثلاثمائة عام ، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره فالأول عبداً مؤمناً صالحاً وملكاً عادلاً ، أما الثاني فكان مُشركاً وقد كان بين زمانيهما أكثر من ألفي سنة .


قصص عن حياته


يذكر المؤرخين أن آدم لما حضره الموت جمع بنيه فقال : يا بني أن الله منزل على أهل الأرض عذاباً ، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم ، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد ، و أُرسل الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً ، فجاء نوح حتى نزل بابل ، وأوصى بنيه الثلاثة سام و حام و يافث ، أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به فقالوا : الأرض وحشية لا أنيس لها و لا نهتدي لطريق ، ولكن نكف حتى يأمن الناس ويكثروا فقال لهم نوح : أن آدم قد دعا الله أن يُطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه ، و في موسوعة البستاني ذكر أن أبا ذي القرنين كان يُراقب نجماً إذا دخل الرجل على امرأته عند طلوعه آتت بولد يعيش إلى آخر الدهر فبقي يراقبه أربعين سنه حتى إذا كانت ليلة طلوعه أراد أن ينام وقال لإمرأته إذا طلع النجم من هذا الموضع ودلها عليه فأيقظيني أخبرها الخبر ، وكانت أختها جارة لها وهي تسمع كلام الرجل فلما طلع النجم خجلت إمرأة أبي الأسكندر أن توقظه وقامت أختها فأخبرت زوجها وقيل أنها ولدته في مغارة فكانت تأتي شاة وترضعه فوجده راعي الغنم عند تفقده شاته وأخذه ورباه فلما شب طلب أبوه الملك كاتباً وكان الخضر من جملتهم فلما رأى الملك خطه إستحسنه ولم يكن يعرفه فسأله عن حاله فأخبره فبحث عن القضية فعرف أنه إبنه فضمه إلى نفسه وولاه أمر الناس ، ثم فر الخضر من الملك ولم يزل سائحاً إلى أن وجد "عين الحياة" فشرب منها فهو لا يزال حي إلى أن يخرج الدجال ويقتل الخضر ويقطعه ثم يُحييه الله مرة أخرى ، وفي كتاب قصص الأنبياء أنه كان ابن ملك في الزمان الأول ولهذا الملك سيرة حسنه في أهل مملكته ولم يكن له ولد غيره فسلمه إلى المؤدب يؤدبه فكان الولد يختلف على المؤدب فيجد في الطريق رجلاً عابداً فعجبه حاله فكان يجلس عنده ويتعلم منه حتى شب على شمائل العابد وعبادته فقال الناس لأبيه ليس لك ولد غيره يرث الملك فلو زوجته لعله يُرزق أولاداً فعرض عليه أبوه التزويج فأبى ثم عاوده وألح عليه فقبل فزوجه جارية من بنات الملوك فلما صارت عنده فقال لها أني مُخبرك بآمر إن أنت سمعته صرف الله عنك شرّ الدنيا والآخرة ، وإن فشيت سرّي عذبك الله في الدنيا والآخرة ، قالت و ماذاك قال أني رجل مسلم لست على دين أبي وليست النساء من حاجتي فأن رضيت أن تقيمي معي على ذلك وتتابعيني على ديني فذاك إليك وأن أبيت لحقت بأهلك فقالت بل أقيم معك فلما أتت عليهما مدة قالوا لأبيه ما نظن إبنك إلا عاقر ، فسأله أبوه فقال ماذلك بيدي وانما ذلك بيد الله يوتيه من يشاء فدعا المرأه وسألها فردت عليه مثل مارد عليه الخضر فمكث زماناً ثم دعا إبنه إليه فقال أحب أن تُطلق امرأتك وأزوجك إمراة ولوداً ، فكره الخضر ذلك فألح عليه أبوه فأجابه فزوجه إمرأة ثيباً ولوداً ، فعرض عليها الخضر مقالته الأولى فرضيت وقالت أقيم معك فلبث زماناً ثم أستبطأ أبوه الولد منه فدعاه وقال له ليس بولد لك فقال ليس ذلك بيدي ، ولكنه بيد الله ثم دعا الملك المرأة فقال لها أنت ولود وقد ولدت لغير إبني فقالت ما مسني منذ صحبته ولا مسّ المرأة الأولى ، فدعا إبنه وعنّفه ففزع من أبيه وخرج هائماً ولم يدر أحد أين توجه ، فندم أبوه على مافعل وأرسل في طلبه مائة رجل في طرق شتى فأدركه منهم عشرة في جزيرة من جزائر البحر وقال لهم أني أقول لكم شيئاً إن كتمتموه نجاكم الله من شرّ الدنيا وعذاب الآخرة قالوا قل ما شئت قال قولوا لأبي إنكم لم تجدوني كما سيقول غيركم ممن أرسلهم لأنكم إن أخبرتمتوه بي وصرت عنده قتلني وكنتم أنتم مؤاخذين بدمي ، فأنصرفوا عنهم وكتم أمره واحد منهم وأما التسعة فأخبرو أباه بما قال له ، فأمرهم بأن يرجعوا ويأتوه به فرجعوا وكان الخضر قد أحتسب من ذلك فأختفى في الجزيرة فلم يجدوه فقتلهم الملك ، ودعا بالمرأة الثانية وقال هذا بسببك وقتلها ، فخافت المرأة الأولى وهربت وخاف أيضاً الرجل العاشر الذي كتم أمره فهرب وإلتقى بتلك المرأة وتزوجها .


الخضر و لقاءاته


إلياس و الخضر :

يذكر بعض المؤرخين أن الخضر و إلياس "إخوة" يلتقيان كل سنة عند السد الذي أقامه ذو القرنين ، و قال كعب الأحبار : "أربعة من الأنبياء لا يزالون أحياء ، إثنان في الأرض الخضر و إلياس ، وإثنان في السماء إدريس وعيسى ، وفي حديث لإبن عباس يُرفع إلى النبي محمد : "يلتقي الخضر و إلياس في كل عام من الموسم بمنى ، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هذه الكلمات سبحان الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصلح السوء إلا الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، والحسن البصري يقول بأن إلياس " موكل بالفيافي ، والخضر بالبحار وقد أعطيا الخُلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى فإنهما يجتمعان في كل عام بالموسم" وأن الخضر يدور في البحار يهدي من ضل فيها ، و إلياس يدور في الجبال يهدي من ضل فيها هذا دأبهما في النهار وفي الليل يجتمعان عند سد يأجوج ومأجوج يحفظانه.

ومن القصص بلقاء إلياس بالنبي محمد قول إبن الأسقع : "غزونا مع رسول الله غزوة تبوك ، حتى إذا كُنّا في بلاد جذام في أرض لهم يقال لها الحوزة ، وقد كان أصابنا عطش شديد ، فإذا بين أيدينا آثار غيث ، فسرنا ملياً ، فإذا بغدير ، وإذا فيه جيفتان ، وإذا السباع قد وردت الماء ، فأكلت من الجيفتين ، وشربت من الماء ، فقلت : يا رسول الله هذه جيفتان ، وآثار السباع قد أكلت منها ، فقال النبي : نعم هما طهوران ، إجتمعا من السماء والأرض ، لا ينجسهما شيء ، وللسباع ما شربت في بطنها ، ولنا ما بقي ، حتى إذا ذهب ثلث الليل ، إذا نحن بمنادي يُنادي بصوت حزين : اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة ، المغفور لها ، المُستجاب لها ، المبارك عليها ، فقال رسول الله : يا حذيفة ويا أنس أدخلا إلى هذا الشُعب ، فانظرا ما هذا الصوت ، قال : فدخلنا ، فإذا نحن برجل عليه ثياب بياض أشد بياضاً من الثلج ، وإذا وجهه ولحيته كذلك ، ما أدري أيهما أشد ضوءاً ثيابه أو وجهه ؟ فإذا هو أعلى جسما منا بذراعين أو ثلاثة ، قال : فسلمنا عليه ، فرد علينا السلام ، ثم قال : مرحباً أنتما رسولا رسول الله ، فقلنا : نعم ، من أنت رحمك الله ؟ ، قال : أنا إلياس النبي ، خرجت أريد مكة ، فرأيت عسكركم ، فقال لي جُند من الملائكة على مقدمتهم جبريل وعلى ساقتهم ميكائيل هذا أخوك رسول الله ، فسلم عليه وألقه ، إرجعا فأقرئاه السلام ، وقولا له لم يمنعني من الدخول إلى عسكركم إلا أني أتخوف أن تذعر الإبل ، ويفزع المسلمون من طولي ، فإن خلقي ليس كخلقكم ، قولا له أن يأتيني ، قال حذيفة وأنس : فصافحناه ، فقال لأنس خادم رسول الله : من هذا ؟ ، قال : حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ، قال فرحب به ، ثم قال : والله إنه لفي السماء أشهر منه في الأرض ، يُسميه أهل السماء صاحب رسول الله ، قال حذيفة : هل تلقى الملائكة ؟ قال : ما من يوم إلا وأنا ألقاهم ، ويسلمون عليَّ ، وأسلم عليهم ، قالا : فأتينا النبي فخرج النبي وسلم معنا ، حتى أتينا الشُعب ، وهو يتلألأ وجهه نوراً ، وإذا ضوء وجه إلياس وثيابه كالشمس ، قال رسول الله : على رسلكما ، فتقدمنا النبي قدر خمسين ذراعاً ، وعانقه ملياً ، ثم قعدا ، قالا : فرأينا شيئا كهيئة الطير العظام بمنزلة الإبل ، قد أحدقت به ، وهي بيض ، وقد نثرت أجنحتها ، فحالت بيننا وبينهما ، ثم صرخ بنا النبي ، فقال : يا حذيفة ويا أنس تقدما ، فتقدمنا ، فإذا بين أيديهم مائدة خضراء لم أر شيئاً قط أحسن منها ، قد غلب خضرتها لبياضها ، فتقدمنا ، فإذا بين أيديهم مائدة خضراء ، وإذا عليها خبز و رمان و موز وعنب ورطب وبقل ، قال النبي محمد : كلوا بسم الله ، فقلنا : يا رسول الله أمن طعام الدنيا هذا ؟ قال : لا ، هذا رزقي ، ولي في كل أربعين يوماً وأربعين ليلة أكلة ، تأتيني بها الملائكة ، وهذا تمام الأربعين يوماً والليالي ، وهو شيء يقول الله عز وجل له كن فيكون ، فقلنا : من أين وجهك ؟ ، قال : وجهي من خلف رومية ، كنت في جيش من الملائكة مع جيش من المسلمين غزوا أمة من الكُفار ، فقلنا : فكم يسار من ذلك الموضع الذي كنت فيه ؟ قال : أربعة أشهر ، وفارقته أنا منذ عشرة أيام ، وأنا أريد إلى مكة أشرب بها في كل سنة شربة ، فقلنا : فأي المواطن أكبر معارك ؟ قال : الشام وبيت المقدس والمغرب واليمن ، وليس في مسجد من مساجد محمَّد إلا وأنا أدخله صغيراً كان أو كبيراً ، قال : الخضر متى عهدك به ؟ ، قال : منذ سنة ، كنت قد التقيت أنا وهو بالموسم ، وقد كان قال : إنك ستلقى محمَّداً قبلي ، فأقرئه مني السلام ، وعانقه ، وبكى قال : ثم صافحناه وعانقناه ، وبكى وبكينا ، فنظرنا إليه حتى هوى في السماء ، كأنه يحمل حملاً ، فقلنا : يا رسول الله لقد رأينا عجباً إذ هوى إلى السماء ، فقال : إنه يكون بين جناحي ملك حتى ينتهي به حيث أراد " .


موسى و الخضر :

يذكر المؤرخين أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ فقال أنا "يعني نفسه" فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم عليه فأوحى إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين "بحر فارس وبحر الروم" هو أعلم منك قال موسى يارب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو هناك ، حينئذ صمم النبي موسى مُلاقاة ذلك العبد الصالح مهما أرهقه البحث عنه ومهما طالت مدة ترحاله في الأرض بحثاُ عنه "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا" الكهف 60 والحقب زمان من الدهر غير محدود والمعنى مهما طال الوقت حتى يبلغ ذلك المكان والفتى المُشار إليه هو يوشع بن نون ، و لم يخبر موسى فتاه بأنه سيفقد الحوت إذ قدّر أن فتاه سيخبره عن ذلك حال حدوثه لغرابته ، وسارا حتى مجمع البحرين ، وجلس موسى في ظل صخرة ليستريح فأخذته غفوة ، قيل فبينما هو في ظل صخرة إذ أصاب ماء البحر المكتل الذي فيه الحوت فتحرك الحوت بعد أن كان ميتاً وقيل كان مُملّحاً ولكن بقدرة الله عادت إليه الحياة وتحرك وتسرب الحوت إلى البحر ، و يوشع بن نون يتعجب من أمر هذا الحوت وكيف دبت فيه الحياة ولعله ظن أن الحوت لم يكن قد مات موتاً كاملًا فما إن طاله ماء البحر حتى تحرك ، ولما إستيقظ موسى لم يخبره الفتى بما حدث إذ نسي هذا الأمر فكان نسيان موسى أن يخبر فتاه بأهمية هذا الأمر دافعاً لنسيان الفتى أن يخبره بمكانه ولذلك نُسب النسيان إليهما معاً ، وسار الإثنان حتى تجاوزا ذلك المكان ، وبعد مدة شعرا بالتعب والجوع فقال موسى ليوشع آتنا غداءنا فقد تعبنا في هذا اليوم بما فيه الكفاية ، فقال يوشع : أتذكر الصخرة التي جلسنا عندها لنستريح فقد نسيت أن أخبرك بأمر عجيب حدث هناك ، ذلك أن السمكة قد دبت فيها الحياة وتسربت من السلة وفُقدت في البحر ولقد أنساني الشيطان أن أذكر لك هذا الأمر فقال موسى هذا هو الأمر الذي كنت أبتغيه لأنه أمارة المكان الذي سألتقي فيه بالعبد الصالح وطلب منه أن يعود به إلى المكان الذي به هذه الصخرة وسارا عائدين نفس الطريق الذي سلكاه حتى وصلا إلى الصخرة وهناك وجد موسى العبد الصالح الذي أتاه الله رحمة من عنده وعلمه الله من لدنه علما " فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً (64) فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (65) " الكهف ، حيث لم يذكر القرآن إسم ذلك العبد الصالح ولكن كتب التفسير تجمع على إسم الخضر ، و لما رأى موسى العبد الصالح عن بُعد طلب من يوشع أن ينتظره في مكانه إذ هو سيبقى في صُحبة الخضر يوماً أو يومين ثم يعود ليلقاه في نفس المكان قالوا لما لقي موسى الخضر ألقى السلام فقال الخضر وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال موسى وما أدراك بي ؟ قال : الذي أدراك بي ودّلك عليّ قال موسى : إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك فقال الخضر أنك لن تستطيع أن تصبر على ما تراه لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيك  كل الحقيقة وستظن أن ما أفعله خطأ ولن يسعك السكوت عليه ولن تستطيع السكوت على أفعال لا تدري ما حقيقة خبرها وخفاياها ، فقال موسى إنه بإذن الله سيكون صابراً ولا يعصي أمره ، فأشترط الخضر على موسى ألا يسأله عن شيء يراه وينكره حتى يكون الخضر هو المبتدئ من تلقاء نفسه بشرحه " قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) " الكهف ، وسارا معاً حتى أتيا مرفأ صغيراً تمر به السفن ، عرف أصحاب السفينة الخضر فأركبوهما بدون أجرة فلما ركبا السفينة عمد الخضر إلى أحد ألواحها فخلعه ثم رقّعه ، وهنا قال موسى للخضر أفعلت ذلك لتغرق السفينة وأصحابها مُنكراً عليه هذا الفعل وأن أمر منكر لأنه يضر بالقوم ، فذكره الخضر بالشرط الذي إشترطه عليه لمرافقته وهو أن لا يكون موسى البادئ في كلامه عن شيء يفعله ، فأعتذر موسى لأنه نسي هذا الشرط وأنه كان من الصعب عليه وفوق طاقته أن يرى ما يفعله ويسكت عنه "فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73)" الكهف .

في صحيح البخاري ومسلم أن النبي محمد قال " وكانت الأولى من موسى نسياناً ، ونزلا من السفينة ومشياً على البر فلقيا غُلاماً حسن الهيئة يلعب مع غلمان في مثل سنه فأخذه الخضر وقالوا ذبحه بسكين كانت معه وقيل ضربه بحجر فقتله وهُنا لم يتمالك موسى إلا أن قال للخضر إنه قد قتل نفساً طاهرة من الذنوب لأنه غُلام لم يُكلّف بعد دون أن يكون ذلك قصاصاً لقتله نفساً ، وهذا شيء منكر بل أكثر إنكاراً من الأمر الأول ، فقال له الخضر ألم أقل لك من قبل أنك لن تستطيع صبراً على أفعالي ؟ للمرة الثانية أعتذر موسى وأخبره برغبته في الإستمرار بمصاحبته على أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يخالف الشرط الذي بينهما " فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً (76)" الكهف .

وقبل الخضر إعتذار موسى وسمح له بالبقاء معه ومصاحبته وسارا حتى جاءا إلى قرية وكان الجوع والتعب قد نال منهما وكان أهلها كما بدا من تصرفهم بخلاء وطلب الخضر وموسى من أهل القرية أن يُضيفوهما فرفضوا بعد ذلك جلس الخضر وموسى إلى جوار جدار يستريحان ووجد الخضر أن الجدار يكاد يسقط فأصلحه وقوّم ما مال منه و بنى ما كان سقط  فقال موسى للخضر لِمَ لم تطلب على ذلك أجرأ ، فقال له الخضر هذا فراق بيني وبينك حيث أنك خالفت الشرط وقبل أن يفارقه أخبره بسبب ما فعله من أعمال إستنكرها موسى "فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (78)" الكهف ، ثم أخبر الخضر موسى بما صعب عليه فهمه فالأمر الأول وهو أن السفينة مملوكة لأناس فقراء يعملون في نقل البضائع في البحر وكان هناك ملك ظالم كلما رأى سفينة جديدة وجيدة الصنع وليس بها عيب إستولى عليها ظُلما واغتصاباً فأراد الخضر بإظهار عيب فيها يصرفه عنها وبذلك تبقى لأصحابها وهي مصدر رزقهم أما الغلام فكان أبوه وأمه مؤمنين أما هو فكان كافراً أو طُبع كافراً ولو عاش وكبر فإن أبواه لحبهما له كانا سيتبعانه في كفره وطغيانه أو على الأقل سيكدر حياتهما وسيكون سبباً في إرهاقهما فأراد أبواه أن يبدلهما الله ولدا أزكى منه وأرق طباعاً فيكون باراً بهما ثم أخبره بالأمر الثالث وهو أن الجدار كان لغلامين يتيمين في القرية وكان تحته مال دفنه أبوهما ليكون عدة لهما في المستقبل وكان هذا الرجل صالحاً والرجل الصالح يحفظ في ذريته وتعم بركته أجيالاً منهم ولو سقط الجدار لانكشف المال ولأخذه أهل المدينة لضعف اليتيمين عن مقاومتهم "أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً" .


لقاءات أخرى


يقول علي بن أبي طالب بينما أنا أطوف بالبيت إذا رجل معلق بأستار الكعبة يقول : يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين ، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قلت : يا عبد الله : أعد الكلام ؟ قال : أو سمعته ؟ قلت : نعم ، قال : والذي نفس الخضر بيده لا يقولهن عند دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج ، وعدد المطر وورق الشجر ، و يقول إسحاق بن إبراهيم الخواص أنه كان في تيه بني إسرائيل فإذا برجل يماشيني فتعجبت ، فألهمت أنه الخضر فقلت له : بحق الحق من أنت ؟ قال : الخضر ، قلت أريد أن أسالك ، قال : اسأل ، قلت : ما تقول في الشافعي ؟ قال : هو من الأوتاد قلت : ما تقول في أحمد بن حنبل ؟ قال رجل صديق قلت : ما تقول في بشر الحافي ؟ قال : لم يخلف بعده مثله . قلت : بأي وسيلة رأيتك ؟ قال ببركة أمك ! .


قصص عن الخضر

ركب الخضر في سفينة مع بعض أصحابه حتى بلغ بحر الهند فقال : يا أصحابي دلوني فدلوه في البحر أياماً وليالي ، ثم صعد فقالوا : يا خضر ما رأيت ؟ فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك في لُجَّة هذا البحر فقال : إستقبلني ملك من الملائكة فقال لي : يا أيها الآدمي الخطاء من أين وإلى أين ؟ فقال : أردت أن أنظر عُمق هذا البحر فقال لي : كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام ولم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة وذلك ثلاثمائة ساعة !! و يقول النبي محمد لأصحابه " ألا أحدثكم عن الخضر ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : بينما هو يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل إذ بصر به مسكين فقال : تصدق علي بارك الله فيك ، قال الخضر : آمنت بالله ، ما يقضي الله يكون ، ما عندي من شيء أعطيكه ، قال المسكين : بوجه الله لما تصدقت علي إني رأيت الخير في وجهك ورجوت الخير عندك ، قال الخضر : آمنت بالله إنك سألتني بأمر عظيم ما عندي من شئ أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني ، قال المسكين : وهل يستقيم هذا ؟ قال : الحق أقول لك إنك سألتني بأمر عظيم ، سألتني بوجه ربي عز وجل ، أما إني لا أخيبك في مسألتي بوجه ربي فبعني ، فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم ، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شئ ، فقال الخضر عليه السلام : إنما إبتعتني التماس خدمتي فمرني بعمل ، قال : إني أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ، قال : لست تشق علي ، قال : فقم فانقل هذه الحجارة ، قال : وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فقام "الخضر" فنقل الحجارة في ساعته فقال له : أحسنت وأجملت وأطقت ما لم يطقه أحد قال : ثم عرض للرجل سفر فقال : إني أحسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة ، وإني أكره أن أشق عليك ، قال : لست تشق علي ، قال : فاضرب من اللبن شيئاً حتى أرجع إليك ، قال : فخرج الرجل لسفره ورجع وقد شيد بناءه ، فقال له الرجل : أسألك بوجه الله ما حسبك وما أمرك ؟ قال : إنك سألتني بأمر عظيم بوجه الله عز وجل ، ووجه الله عز وجل أوقعني في العبودية وسأخبرك من أنا ، أنا الخضر الذي سمعت به ، سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شئ أعطيه ، فسألني بوجه الله عز وجل فأمكنته من رقبتي ، فباعني فأخبرك أنه من سئل بوجه الله عز وجل فرد سائله وهو قادر على ذلك وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا عظم يتقعقع ، قال الرجل : شققت عليك ولم أعرفك قال : لا بأس أبقيت وأحسنت ، قال : بأبي أنت وأمي أحكم في أهلي ومالي بما أراك الله عز وجل ، أم أخيرك فاخلي سبيلك ؟ قال : أحب إلي أن تخلي سبيلي فأعبد الله على سبيله ، فقال الخضر : الحمد لله الذي أوقعني في العبودية فأنجاني منها .

وقال عبد الله بن المبارك المجمع على دينه وعلمه وورعه : خرجت إلى الجهاد ومعي فرس فبينما أنا في بعض الطريق إذ صرع الفرس فمر بي رجل حُسن الوجه طيب الرائحة ، فقال : أتحب أن تركب فرسك ، قلت : نعم فوضع يده على جبهة الفرس حتى إنتهى إلى مؤخره وقال : أقسمت عليك أيتها العلّة بعزّة عزّة الله وبعظمة عظمة الله وبجلال جلال الله وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله وبما جرى به القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت ، قال : فانتفض الفرس وقام ، فأخذ الرجل بركابي وقال : إركب فركبت ولحقت بأصحابي ، فلما كان من غُداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا ، فقلت : ألست صاحبي بالأمس ؟ قال : بلى ، فقلت : سألتك بالله من أنت ؟ فوثب قائماً فاهتزت الأرض تحته خضراء ، فإذا هو الخضر عليه السلام ، قال إبن المبارك رضي الله تعالى عنه : فما قلت هذه الكلمات على عليل إلا شفي بإذن الله تعالى.


ولي أم نبي

يعتقد المؤرخين أن الخضر نبي وذلك لأن موسى النبي تعلم على يديه فدل ذلك على نبوته وإلا فكيف يأخذ النبي علماً ممن هو أدنى منه ؟ أن الخضر لما فعل أمور عجيبة أنكرها عليه موسى ولم يستطع عليها صبراً ، ولكن الخضر في النهاية أوضح له الحكمة من هذه الأمور وقال "وما فعله بأمري" إي أنه فعل ذلك بأمر من الله ولا يكون ذلك إلا بوحي فدل على نبوته .


الخضر في الموروث اليهودي


ونجد قصة الخضر مع موسى مُشابهه لقصة الرّابي يُوحنان مع "إلياهو" المقصود به النبي إلياس ، حيث يُحكى أن الرابي يُوحنان بن ليفي صام وصلى للرب لكي يُجيز له رؤية إلياهو الملك الذي رفع حياً إلى السماء ، فاستجاب الله لدُعائه ، فظهر له إلياهو على هيئة رجل توسل الرابي إلى الياهو قائلاً "دعني أتبعك في طوافك عبر البلاد وأراقب أحوالك وأفعالك ، فأكسب لنفسي حكمة وفهماً" قال إلياهو : " لا ، فأفعالي لا سبيل لك إلى فهمها ، وتصرفاتي لا صبر لك عليها فكيف تصبر على ما ليس لك به علم ؟ " لكنه أصرّ وتوسل بأنه لن يرى منه أي إزعاج أو تساؤل ، حيث كان إلياهو مستعداً لتنفيذ هذه الأمنية ولكنه وضع شرطاً واحداً فقط و هو أن على الرابي مهما رأى أن تصرفات إلياهو غريبة أن لا يسأل عن أي تفسير لها ، فإن سأل لماذا فإنهما سيفترقان ، فانطلق إلياهو والرابِّي سوياً وتجولا حتى وصلا إلى منزل رجل فقير لم يكن يمتلك من الدنيا إلا بقرة ، كان الرجل وزوجته طيب القلب واستقبلاهما بترحيب ودّي ودعيا الغريبين إلى منزلهما و قدما لهما الطعام والشراب من أفضل ما يمتلكان وأعدّا أريكة مريحة لمباتهما وفي اليوم الثاني عندما استعد إلياهو و الرَابِّي للإستمرار في ترحلاهما ، صلّى إلياهو لكي تموت بقرة مضيفيهما وقبل أن يغادرا المنزل نفقت البقرة و صُدم الراَبِّي يوحنان من سوء الحظ الذي وقع على هذه العائلة الطيبة وكاد أن يفقد صوابه ، ففكر : "أهذا جزاء الرجل الفقير على كل ما قدمه لنا ؟" ولم يستطع الإمتناع عن تقديم سؤال ولكن إلياهو ذكّره بالشرط المفروض والموافق عليه في بداية رحلتهما ، فاستمرا بالرحلة من دون أن يخف فضول الرابي وفي تلك الليلة وصلا إلى منزل رجل ثري لم يقدم لهما واجب النظر إليهما مواجهة ومع أنهما مرا تلك الليلة تحت سقف بيته فإنه لم يقدم لهم الطعام والشراب ، كان ذلك الرجل راغباً في ترميم حائط كان آيلا للسقوط ولكنه لم يعد مضطراً لبذل أي مجهود لإعادة بناءه وذلك لأنه عندما غادر الياهو المنزل صلّى لكي يعتدل الجدار من ذاته فاعتدل الحائط فجأة ، دهش الرَابِّي من إلياهو بشدة ، ولكنه ولاءً للوعد الذي قطعه كبت السؤال الذي كان على طرف لسانه ، وهكذا إستمرا في ترحلاهما حتى وصلا إلى كنيس مزوّق كانت مقاعده مصنوعة من الذهب والفضة ، ولكن المتعبّدين لم يكونوا على نفس مستوى بنايتهم ، وذلك لأنه عندما وصل الأمر إلى مسألة الإيفاء باحتياج السائحين ابني السبيل المرهقين أجاب أحد الموجودين في الكنيس : "ليس هنالك قطرة ماء أو كسرة خبز ويستطيع الغريب أن يبيت في الكنيس إن جلبت له هاتان المادّتان" وفي الصباح المبكّر عندما كانا على وشك المغادرة تمنّى إلياهو لهؤلاء الذين كانوا موجودين في الكنيس ساعة دخولهما إليه أن يرفعهم الله ليصبحوا كلهم "رؤوساً" وثانية إضطر الرابي يوحنان أن يتشبث بأقصى قدر من كبح النفْس ، وأن لا يطرح السؤال الذي يجول بذهنه ، و في البلدة التالية استقبلا بودٍ كبير و ضُيّفا بكثرة بكل ما اشتهى بدناهما المُتعبان إلا أن إلياهو منح لهؤلاء المضيفين اللطفاء رغبته في أن يرزقهم الله برأس واحد فقط هنا لم يستطع الرابي من أن يتمالك نفسه أكثر وطلب تفسيراً لتصرفات إلياهو الغريبة رضي بأن يوضح أسباب تصرّفاته أمام يوحنان قبل أن يفترقا عن بعضهم ، وقال :"قتلت بقرة الرجل الفقير لأني علمت أنه قد قدّر في السماء موت زوجته في نفس اليوم ، فصلّيت إلى الله لكي يقبل أن يفقد الرجل ملكاً له عوضاً عن زوجة الرجل الفقير أما بالنسبة للرجل الغني فقد كان هنالك كنز مخبّأ تحت الحائط الآيل للسقوط و لو أنه بناه فإنه سيجد الذهب ولهذا أقمت الحائط لحرمان الرجل البخيل من هذا الكنز الثمين وتمنيت أن يمتلك القوم الغير مضيافين المجتمعين في الكنيس رؤوساً عديدة لأن الدمار مُقدّر سلفاً على أي موضع ذي رؤساء عديدين بسبب تعدد النصائح والخلافات ولقانا آخر محل في رحلتنا ، و تمنيت "رأساً واحداً" لأنه إن قاد شخص واحد بلدة فسيحالفها النجاح في كل ما تقوم به لهذا فاعلم ! أنك إن رأيت شخصاً أثيماً تزدهر أعماله فإن هذا ليس لمصلحته دائماً ، وإن عانى رجل صالح من الحاجة و الضيق فلا تعتقد أن الله غير عادل ، ومع هذه الكلمات إفترق إلياهو والرابي يوحنان عن بعضهما وكل ذهب في حال سبيله .


الخضر في المسيحية


يعتبر الخضر مُقدسًا في المسيحية ويسميه المسيحيون "مار جرجس" أو جيورجيوس أو جرجيس ، وهو قديس تتخذه إنكلترا مُحامياً لها ومدافعاً عنها ، وتتحدث الرواية المسيحية أن تنيناً كان يخرج على سُكان بيروت ويرعبهم ويقتل ويأكل سُكان المدينة ، وبعد ذلك إتفق أهل المدينة على تقديم فتاة جميلة للتنين كل عام عن طريق القرعة فداءً عن أهل المدينة ، وفي سنة من السنين وقعت القرعة على إبنة حاكم المدينة فأخذ الفتاة إلى مكان الموعد ، وكانت الفتاة مؤمنة فتوسلت بالدعاء إلى الله فتصور لها "مار جرجس" وهو يركب حصاناً وفي يده حربة ، وعندما خرج التنين برأسه من البحر ، وذهب ليبتلع الفتاة ، باغته "مار جرجس" فطعنه بحربته المُسننة فمات في الحال ، فُشيد له كنيسة في الموضع الذي قتل فيه التنين ، و يقول المسيحيون بأن مار جرجس قتل في 23 نيسان عام 303 للميلاد بعد أن إعتنق الدين المسيحي في عهد الملك الروماني دقلديانوس ، وله يوم عيد مُحدد في كل عام .


ميّت أم لا يزال حياً


إختلف المحدثون في حياته ، كما إختلفوا في مماته فلقد ذهب البعض إلى أنه ميّت ويستدلون إنه لم يرد ذكر طول عمره في القرآن و السنة النبوية ، ولو أن الخضر حي لكانت من القضايا العجيبة والتي تستحق أن تذكر في القرآن ، حيث قد ذكر الله من أحياه ألف سنة إلا خمسين عاماً وجعله آية فكيف لا يذكر من أحياه أضعاف ذلك ؟! كذلك يؤكدون موت الخضر بقول الله في القرآن : "وما جعلنا لبشر من قبلك الخُلد" فالخضر لو كان بشرًا فقد لحقته الوفاة ، أيضاً لو كان الخضر حيًا لحضر إلى النبي محمد وبايعه وحارب معه في غزواته ، وقول النبي محمد "أن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليه أحدًا" على الرغم من أن بعض الناس قد يُعمر حتى في عصرنا الحالي إلى 130 أو 120 سنة ، كذلك إن الخضر فارق النبي موسى ولم يصاحبه ، فكيف يفارق مثل موسى ثم يجتمع بباقي الناس ؟ .


وجهة النظر الصوفية


عند الصوفية فالخضر لا يزال حياً يسيح في الأرض وأن الصالحين يجتمعون به ويأخذون عنه ويسألونه ويجيبهم فهو يوجد في المواضع الشريفة ومواطن الخير ، وقيل إنه الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه فلا يموت حتى ينفخ في الصور ويستدلون بذلك بالحديث " مدّ للخضر في أجله حتى يكُذب الدجال "وأن آدم لما حضره الموت جمع بنيه وقال إن الله تعالى منزل على آهل الأرض عذاباً ، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى تدفنوني في أرض الشام فلما وقع الطوفان قال نوح لبنيه إن آدم دعا الله أن يُطيل في عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة ، فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه أنجز الله له ما وعده فهو يحيا إلى ما شاء الله أن يحيا ، وأنه كان وزيراً لذي القرنين وكان على مقدمة جيوشه حينما كان يبحث عن عين الحياة ، فسبقه إليها وشرب منها ، ويفسرون قول الله تعالى "وما جعلنا لبشر من قبلك الخُلد" أن المُخلد هو المعمر وقد يصل عمره إلى ألف أو الفين أو ثلاثة آلاف سنه وأكثر ولكنه يموت قبل يوم القيامة حاله كحال عيسى إبن مريم الذي لا يزال حياً ثم يموت عندما يرجع إلى الأرض ، وأن الخضر مُعمر إلى أن يُكذب الدجال وأن النبي عيسى كان قبل النبي محمد وقد أطال الله بعمره ، كذلك قول النبي محمد " أن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليه أحدًا " أن الخضر لم يكن حينئذ على ظهر الأرض بل كان على "وجه الخفاء" وإلا لكان خص الملائكة والجن ، أيضاً أن الخضر كان يأتي النبي محمد لكن على وجه الخفاء لعدم كونه مأموراً بإتيان العلانية لحكمة إلهية إقتضت ذلك .... وختاماً لو تتبعنا وذكرنا ما كُتب وورد عن الخضر فسنحتاج إلى كتاب أو مُجلد كامل ، فالخضر شخصية عظيمة جليلة ، ومن أكثر الشخصيات التاريخية الغامضة التي يُطرح حولها العديد من التساؤلات عبر الأزمان .

بحث وإعداد : ندى العمراني
Copyright©Temple Of Mystery

إقرأ في مواضيع متعلقة
يأجوج و مأجوج
المعرفة المُحرمة


التعليقات

مصطفى 2016-12-18 19:58:22

كلام في بالغ الاهمية احسنت الاختيار

عبدالله 2016-11-01 23:40:39

من اروع ماكتبته الباحثه ندي العمراني وتعليقي للباحثه انك اذا نظرتي الي عينيه وانت امامه جدي نظرته الي اكبر مسافه ورا ظهرك ويوجد بعينيه نور او ضيا واضح وله لحيه بضا شديده البياض مرتبه ترتيب مذهل الشعره جنب الشعره عظيم الجسم يبدو تماما مثل الفقير المسكين ومعه عصا والاارض التي يدوس عليها يظهر فيها الحشيش الاخضر انا احب معبد الغموض

فاطمة 2016-10-02 17:58:44

فعلا شخصية عظيمة واروع شئ علمه

ذو الشعر الابيض 2016-09-23 14:30:10

كلام جميل رروعه واشكر الباحثه

"مروه" 2016-09-02 20:23:03

معلومات قيمه..وسيره رائعه

Ila 2016-08-30 19:50:36

حقيقة ان هذه المعلومات والقصص شيء يدعو للاعجاب لما فيها من الغرائب قد تصدق وقائعها احيانا وقد تختلط بالاستفسارات والغموض احيانا على كل ، الشكر الجزيل لهذا الموقع المميز

ساجدة 2016-08-29 20:08:20

اروع من رائع بوركت

M 2016-08-20 06:17:42

تحليل عميق لشخصية الخضر وسرد تاريخي مذهل ... جميل جدًا

محمد نبيل 2016-08-19 14:52:57

هذا عمل رائع

حارس 2016-08-19 06:10:28

اود ان اضيف ان ببعض الكتب السحرية عزائم تقراء وينام الفرد فيقابل من برشده فى عالم الخضر.ويقال انك تزور مدينة الخضر غيبا بعد العزائم .واشكركم على المعلومات الشيقة والمثيرة حتى اننى من فترة بسيطة كنت اتبنى قضية انه من الجان الصالح لكن تشابه اللرداء الاخضر يتكرر بالحاح فى قصص الجان وعوالمهم

bouzidi 2016-08-15 11:19:45

C parfait, dieu vous protége

بهاء 2016-08-12 16:33:45

الموضوع أكثر من رائع

حيدر حسين 2016-08-12 16:27:34

راقي ومتميز

فارس الحلبي 2016-08-12 16:25:55

دائماً مواضيع شيقه شكراً استاذه ندى ولكل أساتذة هذا الموقع العظيم خصوصا استاذ رامي الثقفي نتمنى المزيد

تونسي 2016-08-12 15:42:51

شكرا اخت ندى على هدا المجهود ونرجوا التوسع والتدقيق اكثر رغم ان هدا المجهود جبار

زعفران 2016-08-12 14:01:53

موضوع رائع وشيق

سهيل 2016-08-11 04:22:32

الله يجزيك الخير يارب شكرا جزيلا

معن 2016-08-10 22:43:43

شكراً على الموضوعية في الطرح

محمد 2016-08-10 22:40:13

اشكرك على الموضوع وعلي طرحكم لكل الاراء

أنس 2016-08-10 22:29:10

عمل أكثر من ممتاز مشكورين يا معبد الغموض

سيف 2016-08-10 22:26:25

موضوع راائع ، حبيت صورة الخضر الي حطيتوها

سعاد 2016-08-10 22:25:33

روعه هذا البحث معلومات عاية في الاهمية

ام زايد 2016-08-10 18:50:37

جميل جدا موضوع شيق

احمد غالب 2016-08-10 17:15:59

أنا مؤمن إيمان تام أن الخضر لا يزال على قيد الحياة مع عيسى ابن مريم عليهما السلام ، وشكرا لكم على الموضوع الأكثر من رائع

صلاح علي 2016-08-10 17:13:05

شكرا معبد الغموض على المواضيع الشيقه

Mystery Smile 2016-08-10 17:07:17

موضوع رائع و شيق

M 2016-08-10 17:05:30

تحليل عميق لشخصية الخضر وسرد تاريخي مذهل ... جميل جدًا

وسيم 2016-08-10 17:00:50

موضوع الخضر محير ، أعتقد أنه حي

عبد الله 2016-08-10 16:57:23

موضوع راائع

أحمد 2016-08-10 16:56:13

شكرا جزيلا على هذه الأعمال الرائعة والعظيمة

إضافة تعليق على المقال



تنبيه : اكتب تعليقك مع احترام الرأي وتجنب الاستخفاف ضد أي معتقد أو دين أو طائفة أو تمييز ضد المرأة أو إهانة للرموز العلمية والثقافية أو التكفير أو الاستهزاء من فكر أو شخص .


من فضلك أدخل الاسم

من فضلك ادخل نص التعليق

مشرف الموقع : تم تدشين هذا الموقع الخاص بالماورائيات والظواهر الغامضة التي تخرج عن حدود التفسير من أجل كل المهتمين في العالم العربي خصوصا ، وهو سيكون منبرا لكل من يجد في نفسه القدره والشغف على البحث والتحقيق في مثل هذه الظواهر ، نحن لسنا من أنصار الخرافات والاساطير ولكن طالما كان البحث العلمي مصدرا للمعرفة لكي نفهم ونعلم والله وحده أعلم . رامي الثقفي
تصميم و برمجة : يونيك اكسبيرنس لخدمات المعلومات المتكاملة